ابن كثير

209

البداية والنهاية

خاطبهم به من توسعة المسجد وهو أول من منع منه ، ومن وقفه بئر رومة على المسلمين وهو أول من منع ماءها ، ومن أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث ، النفس بالنفس ، والثيب الزاني ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " وذكر أنه لم يقتل نفسا ، ولا ارتد بعد إيمانه ، ولا زنى في جاهلية ولا إسلام ، بل ولا مس فرجه بيمينه بعد أن بايع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية بعد أن كتب بها المفصل . ثم ذكر لهم من فضائله ومناقبه ما لعله ينجع فيهم بالكف عنه والرجوع إلى الطاعة لله ولرسوله ولأولي الامر منهم ، فأبوا إلا الاستمرار على ما هم عليه من البغي والعدوان ، ومنعوا الناس من الدخول إليه والخروج من عنده ، حتى اشتد عليه الحال ، وضاق المجال ، ونفذ ما عنده من الماء ، فاستغاث بالمسلمين في ذلك فركب علي بنفسه وحمل معه قربا من الماء فبالجهد حتى أوصلها إليه ( 1 ) بعد ما ناله من جهلة أولئك كلام غليظ ، وتنفير لدابته ، وإخراق عظيم بليغ ، وكان قد زجرهم أتم الزجر ، حتى قال لهم فيما قال : والله إن فارس والروم لا يفعلون كفعلكم هذا بهذا الرجل ، والله إنهم ليأسرون فيطعمون ويسقون ، فأبوا أن يقبلوا منه حتى رمى بعمامته في وسط الدار . وجاءت أم حبيبة راكبة بغلة وحولها حشمها وخدمها ، فقالوا ما جاء بك ؟ فقالت : إن عنده وصايا بني أمية ، لأيتام وأرامل ، فأحببت أن أذكره بها ، فكذبوها في ذلك ونالها منهم شدة عظيمة ، وقطعوا حزام البغلة وندت بها ، وكادت أو سقطت عنها ، وكادت تقتل لولا تلاحق بها الناس فأمسكوا بدابتها ، ووقع أمر كبير جدا ، ولم يبق يحصل لعثمان وأهله من الماء إلا ما يوصله إليهم آل عمرو بن حزم في الخفية ليلا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . ولما وقع هذا أعظمه الناس جدا ، ولزم أكثر الناس بيوتهم ، وجاء وقت الحج فخرجت أم المؤمنين عائشة في هذه السنة إلى الحج ، فقيل لها : إنك لو أقمت كان أصلح ، لعل هؤلاء القوم يهابونك ، فقالت : إني أخشى أن أشير عليهم برأي فينالني منهم من الأذية ما نال أم حبيبة ، فعزمت على الخروج . واستخلف عثمان رضي الله عنه في هذه السنة على الحج عبد الله بن عباس ، فقال له عبد الله بن عباس : إن مقامي على بابك أحاجف عنك أفضل من الحج . فعزم عليه ، فخرج بالناس إلى الحج واستمر الحصار بالدار حتى مضت أيام التشريق ورجع اليسير من الحج ، فأخبر بسلامة الناس ، وأخبر أولئك بأن أهل الموسم عازمون على الرجوع إلى المدينة ليكفوكم عن أمير المؤمنين . وبلغتهم أيضا أن معاوية قد بعث جيشا مع حبيب بن مسلمة ، وأن عبد الله بن سعد بن أبي سرح قد نفذ آخر مع معاوية بن خديج ، وأن أهل الكوفة قد بعثوا

--> ( 1 ) في مروج الذهب : فبلغ عليا طلبه للماء فبعث إليه بثلاث قرب ماء فما وصل إليه ذلك . وقال ابن الأعثم في الفتوح : 2 / 219 فأرسل علي ثلاث قرب من الماء مع نفر من بني هاشم فلم يتعرض لهم أحد حتى دخلوا على عثمان وأوصلوا إليه الماء ، فشرب وشرب من كان معه في الدار .